كنت أراقبهما وهما يتشاجران .. وحر الظهيرة يزيد من حدة وتوتر زوجي .. أسمعه وهو ينهر الصغير ليكف عن مناكفة أخته .. لا يزال يصرخ وهو يشكو من إفراطي في تدليل ابني .. ويلقي باللائمة لتساهلي معه على حساب أخته المضطهدة دوما .. حبات العرق تنزل من جبيني ، وتنسل خفية إلى صدغي ، وتسقط إلى المجهول .. كنت مستلقية مستمتعة بشعور اللامبالاة ، وبهدأة الجو بسبب انقطاع التيار الكهربائي .. تكاد عيناي تغمضان ، وصوت زوجي يتفاعل في ذهني ، وينمو ويتجذر بسرعة رهيبة .. يعلو صوته ، ثم يخفت ، ثم يعلو حتى يكاد يتشابك في ذاكرتي مع صوت والدي .. لا أزال أذكره .. كما البارحة .. أذكر تضاريسه الشائكة .. ووجهه المتجهم .. كان أبي نمطا غريبا من الآباء.. كنا نخافه ونرهبه.. يغزونا رعب عجيب عندما يحين موعد قدومه ، فنندس في فراشنا ، ونبلل أجسادنا من الخوف والرعب .. كنت أحتمي بأخي راشد ، واندس في حضنه الصغير ، مخافة أن يخترق جسدي الغض أسياط صوته الكريه .. كنت في أعماقي العميقة أكرهه .. أخافه .. أموت هلعا من رؤيته .. لا أذكر من سنوات طفولتي أي صورة جميلة تجعلني أخفف من حدة الغضب عليه .. إنه غضب الأبناء عندما يدركون الحياة .. غضب فيه لوم وعتاب لآبائنا .. ولكن .. هل تعي الأجساد الذائبة هذا اللوم وذاك العتاب ؟؟ .
ما الذي يجرح ذاكرتي الآن كسكين حادة ؟ .. ما الذي يجعل كل ذكرياتي تحشد جنودها من الأعماق الهادئة .. لتغزو سطحها كجيوش النمل .. فتتكاثف الأجزاء وتتجمع .. هل هذا الجو القاتل ؟ .. أشعر بالاختناق .. وعيناي تستدرجان صورا قديمة باهتة ..صور سقطت منذ سنوات بعيدة في قاع الذاكرة , وسكنت هناك منذ زمن بعيد .
ها هو أخي راشد وها هي أنا وهذه الباحة الخلفية لمنزلنا القديم .. كانت قيلولة أبي .. المهمة التي لم ينسها طوال عمره .. روتين لا ينفك منه كحاجته للماء والهواء والطعام .. وكانت شجرة اللوز الكبيرة تمنحنا بعض حنانها وظلها ، فترحمنا من قيظ أغسطس ، في ذلك الصيف اللاهب .. فتهب بعض النسمات الباردة ، ترطب وجوهنا وتجفف عرقنا الطفولي . وأرجوحتنا اليتيمة كانت ملعبنا الوحيد .. وعالمنا الفريد من المتعة والإثارة .. كنت أطير بها ، فأشعر أني أحلق بعيدا ، وأكاد أرى رؤوس البيوت المجاورة ، وهي تهجع بانكسار تحت سياط الشمس الحارقة .. وأشجار اللوز والنخيل وهي تتهامس بملل وفتور .. وأعود من رحلة التحليق لتصطدم قدماي بتراب منزلنا الساخن ، الخارج من رحم الشمس .. فيحرق قدمي الصغيرتين .. كنت منتشية باللعب .. سعيدة بالتحليق ، وراشد الحبيب يدفعني ، فيزيد من سرعة تحليقي وارتفاعي .. وأضحك بنزق طفولي .. منذ زمن بعيد لم أعرف الضحك .. ولا أحد يجلبه لي سوى أخي راشد .. أضحك فيزيد من سرعة التحليق .. وأرتفع .. أرتفع أكثر .. وبدأ الخوف يدب في أوصالي .. توسلت إليه أن يخفف من سرعة الأرجوحة .. لكن شيطان العناد قد تلبسه ، فازداد في دفعي .. وأنا أصرخ .. وأبكي .. والخوف يتجذر ويمتد ، وينسكب على جسدي ، فارتعش ، وتمسك يداي بالحبل الخشن بقوة .. فيمزق يدي الغضة .. وأشعر أن أصابعي قد تيبست .. كان الدوار قد أصابني، وعيوني تهطل بغزارة .. لم أر شيئا .. كان الخوف يكبلني كالعفاريت ، وأحاول أن أكتم صراخي خشية أن يهوي عقال أبي على جسدي الضعيف كلما أخطأت .. لكن الخوف كان أكبر مني .. كان يكبر و يتجذر حتى سقطت على زجاجات الفيمتو المعبأة بالخل المرشوشة بلهب الشمس .. وتحطمت الزجاجات .. لتتحطم معها أفراحي .. وتغتال البسمة .. وليكبر الخوف إلى فزع قاتل .. كان الصوت كفيلا بإيقاظ والدي .. الذي هب كالعاصفة .. لم أعي اللحظة الهاربة من رأسي .. كانت الصفعات تنهال على وجه أخي ، وهو يبكي ويتوسل لوالدي أن يسامحه .. وبقايا نوم مفزوع يتطاير من عيني والدي ، فيتعبأ بالغضب ، ويزيد من ركله وصفعه .. لم أعي هذه اللحظة أبدا .. رأيت فيها أخي راشدا مقيدا إلى شجرة اللوز بحبال أرجوحتنا ، وقدميه العاريتين تتعاركان مع لهيب الرمل الحارق .. كانت عينا أبي تتوقدان حمما وغضبا ، فانزويت على نفسي .. أبتلع بكائي خوفا من أن ألقى المصير ذاته.. كان صراخ أخي الملتاع يشق سكون البيت .. وأبي يقسم على أمي بالذبح إن هي فكت قيود الأسير .. كان أخي يبكي بلوعة ، ويصرخ ويثير الرمل بقدميه المحترقتين .. كنت أشعر بحز الحبال في يديه الطريتين .. والعرق ينز من جبينه كالمطر الباكي .. لكن هذا البكاء وذلك الألم لم يوقظ في أبي سوى مارد الغضب الأسود .. فألقمه بصلة انحشرت في بوابة فمه ليضمن سكوته .. وابتلع أخي صوته .. كانت عيناه جاحظتين تنطقان بخوف مريع .. والوجه محتقن بالفزع والألم .. أمسك أبي بيد أمي وسحبها كالشاة الذبيحة .. أما أنا .. فقد كنت أرقب المشهد كخشبة محروقة تتلظى بالنار .. وعيون أخي تستنطق رحمتي وشجاعتي .. فتخذلني قدماي ، وترتخي عضلاتي .. وأغوص في أعماقي الملتهبة .. أنتحب .. وأنتحب .. أقضم خوفي .. وجسدي يرتعش .. وشعرت بالحمى تسري في جسدي كالسيخ المحموم .. وتصعد إلى دماغي ، فأظل أهذي وأهذي .. كانت نظرات أخي تائهة في اللاوجود .. نافرة ومشتتة .. ولكنها ما تلبث أن تتجمع عند نقطة معينة .. نقطة الخوف والرجاء والغضب .. إنه ينظر إلي كالمشنوق .. ينظر دون أن ترف رموشه .. كانت عيناه مدائن من الحزن والألم والخيبة .. وأنا أحدق فيه .. أحدق فأقرأ كلمات موت عجيب وخوف غريب .. كنت أحدق فيه ولا شيء آخر !!
وكان مغيب الشمس إعلانا مفجعا برحيل أخي .. رحل أخي ، ولكن نظراته المسروق منها وهج الأمان تسكنني منذ ذلك الزمن الصدىء.. وكلما لاح طيف تلك الذكرى تعاودني الحمى ذاتها .. وتفترش مساحات الذاكرة صورة مفجعة لأقدام صغيرة هدأت حركتها ، فلم تعد تشعر بحرقة الرمل .. ويدين مرتخيتين لا تشكوان من حز الحبال ..وعينين رحلتا لمكان بعيد لا خوف ولا ألم ولا صراخ .
كان هذا الموت يلف بدثاره القاتم حول جسد أخي الحبيب .. فأرتعش وأسبح في بركة من العرق الحامض .. وأبكي بكاء الأعماق .
رحل أخي منذ خمس وعشرين سنة .. لكن نظراته لا تزال تسكن حدقتي .. وذكراه تنبت في فراغات هوائي ، فأملأ بهما رئتي .. وأعيش معهما أيام عمري .. أنام وأستيقظ .. أمشي وأقف .. وأنا مسكونة بهما .. مسكونة برعبهما الغامض .
هل هذا ما جعلني أطلق اسمه على ابني البكر ؟ .. هل أريد للذكرى أن تبقى متيقظة لا تغيب .. كهاجس يمزقني بمشارط الألم مؤنبة نفسي كيف لم أمنع هذه الجريمة التي كنت سببها ؟ ... ألهذا ألوذ بالصمت حين يتعارك الصغيران ، وحين يكون راشد فيها الطرف المخطئ فإني حصنه الحصين من قرصات والده وتأنيبه ؟ .. لا أعرف .. كل ما أدركه وأفهمه .. أنني لم أنس راشد .. أخي راشد .. راشد الحبيب .
بقلم الأديبة
عائشة سعيد سالم الزعابي
www.aishaalzaabi.com