يبكي قلبي دما .. تنزف أضلاعي .. حين اسمع عن ضياع فتاة في عمر الزهور .. كانت صدمتي كبيرة حين عرفت أن إحدى طالباتي القديمات قبض عليها في قضية أخلاقية .. دارت بي الدنيا ، ولم تصدق أذناي ما سمعتاه عنها .. كانت طفلة في الإعدادية .. اقسم بالله أنها كانت طفلة بمعنى الكلمة .. طفلة في الخامسة عشرة من عمرها ، وكيف تعرف مثلها هذا الطريق وتلك الدروب الشائكة من الضياع !
طفلة بريئة ضاعت للأبد .. تاهت في دروب الحياة قبل أن تلج بوابتها ! ونحن نلهث خلف ملفات الإنجاز ونتفاخر بالشهادات ورسائل الشكر والتقدير ، وننسى أو بدأنا ننسى تلك الأجيال التي تضيع وتذوب هويتها في عوالم التيه ، ونحن نسمع ونرى ، ونتضايق ونتأوه ، ونحمّل الزمان الصعب أسانا ومصابنا ، ونتحسر على الأجيال الماضية كيف كانت وكيف صارت .. ونمصمص الشفاه لا أكثر .
مسؤولية من ؟ أهم الأهل من الأمهات اللواتي لا يعرفن معنى الأمومة ، أم الآباء الذين حرموا معنى الأبوة ؟! أم المؤسسة التعليمية التي أعطت كل شيء وصارت تنسى التربية ؟! وكيف يربي المعلم ومتى ؟! وهو مخنوق بالمنهج الطويل .. وطلبات الموجه وأنشطة المدرسة وأهواء الإدارة .. وحبل ملف الإنجاز .. وشبح التقدير .. والتهرب من المشكلات مع الطلبة وأهاليهم والمنطقة والمساءلات والقوانين .. ومن سيربي ؟ من ستربي وتوجه تلك الطالبة ؟ معلمة التربية الإسلامية التي يفترض أن تكون قدوة ومثالا !! وللأسف - وهذه الحقيقة المرة - إن مظهر بعضهن ينطبق عليه أن تكون معلمة أية مادة إلا التربية الإسلامية ! فكيف توجه طالباتها بالإحتشام وهي محصورة في تنورة ضيقة ، وقميص شفاف ، وكعب عال .. وأظافر طويلة وحواجب منمصة .. وغرة تخرج بين الحين والحين .. لتسقط عنها " الشيلة " بلا قصد ولا حرص ثم تطلب من طالباتها الإحتشام والإلتزام بالزي الشرعي والآداب الإسلامية والحفاظ على الحجاب ؟ كيف تحترم الطالبة المعلمة ؟ كيف تستمع لمعلمتها وهي تبادلها النكات والضحكات ورسائل الهاتف والنقال ؟ وماذا ستقول لها ؟ ولمن ستلجأ ؟ وهناك ألف وسيلة فساد .. فلا رقابة وللا رقيب .. ولا محاسب .. وفضائيات تضيعها من عالم لآخر ، وغرفة وانترنت وهاتف خاص ، وزيارات للصديقات لا تسأل من هن ؟! ثم ماذا ننتظر من هذه الفتاة ؟!
مسؤولون عن ضياع تلك الطفلة .. الأب الذي أهمل بيته وأبناءه فلم يسأل عن غيابها ، ولم يراقب سلوكها .. لم يحتضن ابنته مرة ليعرف خلجات قلبها وترددات فكرها ، فأعطاها الثقة ولم يعطها الحصانة .. ففرط في الأمانة وضيعها ، والأم التي لا تعرف معنى الأمومة .. فتركت ابنتها في وجه الرياح المسمومة فلم تكن لها حضنا وملجأ ، وهما أشد ما تحتاجه الإبنة في هذه السن الحرجة ، بل المصيبة والطامة ، إن كثيرات من الأمهات يعرفن بسلوكيات بناتهن ويتسترن عليهن ، أملا في أن تلتقط الفتاة لها زوجا من الشارع ، فالرجال قلة وندرة ، والمسألة شطارة ومهارة وفن في اصطيادهم .
مسؤولون امام جيل يضيع وتضيع ملامحه ، واسألوا إدارات المدارس والأخصائيات ولا تقولوا حالات فردية .. وقضايا بسيطة .. لا تقولوا هناك تهويل ولا تستهينوا بالأمر .. اسألوا أصحاب الشأن .. فكم من فتاة ضاعت وكم من فتاة تضيع ، وكم من فتاة ستضيع ! إننا في مرحلة صعبة .. لابد من مواجهة الحقيقة ، ليت المسؤولين الذين يزورون المدارس لا يسألون عن مشاريعها التعليمية فقط .. ليتهم يسألون سنويا عن أدوار المدرسة التربوية .. عن محاضن الأخلاق والقيم لا نريد شعارا سنويا تكلف من أجله الطاقات والأموال والأوقات ، من أجل عيون الأنشطة وسمعة المدرسة والجوائز المبهرة .. ليت المدرسة تعطي صلاحيات في التعامل مع هذه القضايا بصورة تربوية مدروسة ، فما الفائدة حين تقرر إدارة المدرسة فصل الطالبة السيئة ثم يأتي قرار بإعادتها وكأن شيئا لم يكن !!
أعطوا المعلمة وقتا لتحتضن طالباتها .. لتكون لهن أما وأختا وصديقة .. ارفعوا عن كاهلها تلك الأعباء التي لا خير فيها فجروا طاقات الطلبة والطالبات بالمناشط المفيدة .. اعطوهم مساحة للإبداع والتفكير والتنفس .. للمناقشة وإبداء الرأي .. ليفكروا ويقرروا ويختاروا . انظروا للمناهج ما القيم التي تزرعها ؟ ما المناشط ودروس التوعية الدينية والصحية والنفسية ؟ أين يجد المعلم والطالب نفسه بين أكوام الكتب والمناهج والمطالبات والأنشطة والدرجات والأعباء الإدارية ؟
مسؤولون عن ضياع تلك الفتاة .. فمتى سنتدارك الأخريات متى ؟! وإلى متى سيظل هذا السؤال يتردد ؟! ومن سيجيب ؟!
بقلم الأديبة
عائشة سعيد سالم الزعابي
www.aishaalzaabi.com