إيه يا جراح الأمس واليوم والغد ، يا بغداد يا مدينة لا تعرف سوى الأحزان والآلام .. مدينة الحلم المغتصب .. والفجر المجهض .. مدينة لا تروح فيها ولا تغدو سوى الحرائق والنيران .. ها أنت مرة بين أنياب هولاكو العصر .. إيه يا بغداد .. ألم تألفي الألم والنزف والضياع ؟! ألم تألفي البكاء المقهور حتى جفت أنهارك ؟! .. إيه يا مدينة المصلوبين على بوابات العالم .. عذرا واسفا .. وليس لنا سوى العزاء .. ليس لنا نحن الضعفاء سوى العزاء .. وليتنا نعرف كيف نواسي ونلملم الجراح .
أتمزق وأنا أراك تستجدين من يطفىء لهيب نخيلك .. أتمزق وأنت معجونة بنيران القهر والعدوان .. يتكالبون عليك من كل صوب ليسرقوا ضوء صباحك .. وليسلبوا الكرامة من الرجال .. ويمزقوا أستار العفة والشرف من نسائك الصامدات .. أراك يا بغداد ومدائن عينيك المترعة بالقهر والبكاء والألم تضيع في فضاءات هذه الأمة العظيمة هذه الأمة المتخمة بالنوم والغفلة والهوان .. تتيه نظراتك الحيرى وهي تجوب وطنا شاسعا ممتدا من المحيط إلى الخليج . أتسمعين هتافات الآلاف كل صباح يرددون بلا وعي : " وطننا .. من المحيط إلى الخليج .. أملنا أمة عربية واحدة " . وتعجبين أنك ما زلت أسيرة أغلال صناع الظلام .. أو تظنين أن فرسان هذه الأمة سيهبون لنجدتك .. سيلبون صرختك ؟! لا يا مدينة العظماء .. فلقد عقمت من بعد نسائك النساء .. وماتت في الأرحام أجنة تحمل صورة صلاح وخالد والمثنى .. ماتوا بموت أمهاتهم .. وأمهاتهم من العراق .
يا مدينة الإباء .. يا مدينة لا تعرف الموت واليأس والإندثار .. مدينة مسطور في تاريخها الصمود منذ البداية .. يا مدينتي العظيمة .
لا تطلقي صرخة المعتصم .. فلم نعد في زمانه .. ولا نعرف ضمير هارون .. ولم نسمع أبدا عن دجلة والفرات .. ولم نطعم بلح العراق ، سئمنا ما يرددونه من كلمات لا نفقه معانيها ..عن الكرامة العربية .. وعن إخوة الجوار .. وعن معان أخرى لم نسمع بها .. نحن شعوب سئمنا كل شيء .. وألفت الحروق والنيران .. وباعت الشعور منذ زمن في أسواق النخاسة وهدر الكرامات .. فإلام انتظارك .. ولمن بكاؤك ؟! ومن يسمع عويلك وانتحابك لمن تزفرين آهاتك في لياليك الليلاء .. لمن يا مدينة السلام يا مدينة عرفت كل شيء .. كل شيء إلا السلام !
بقلم الأديبة
عائشة سعيد سالم الزعابي
www.aishaalzaabi.com